خليل الصفدي

8

أعيان العصر وأعوان النصر

الفراريج ، ثم أعطاه المقبّضات حتى صلحت حاله ، ولما عاد الأفرم إلى وعيه ، سأل عن الشيخ صدر الدين بن الوكيل ، فأخبره المماليك ما فعلوه به ، فأنكر ذلك عليهم ، وقال : أحضروه ، فلما حضر قال : يا شيخ صدر الدين ، جئت أروح معك غلطا وهو يضحك ، فقال له سليمان الحكيم : يا صدر الدين ، اشتغل بفقهك ، ودع الطب ، فغلط المفتي يستدرك ، وغلط الطبيب ما يستدرك ، فقال الأفرم : صدق لك لا تخاطر ، ثم قال لمماليكه : مثل صدر الدين ما يتهم ، واللّه الذي جرى عليه منكم أصعب من الذي جرى عليّ ، وما أراد واللّه إلا الخير ، فقبّل يده ، وبعث إليه الأفرم لما انصرف جملة من القماش والدراهم . وأخبرني أيضا قال : كان الشيخ تقي الدين بن تيمية يقول عنه : ابن الوكيل ما يرضى لنفسه أن يكون في شيء إلا غاية ، ثم يعدد أنواعا من الخير والشر ، فيقول : كان في كذا غاية ، وفي كذا غاية . انتهى . قلت : وكان فيه لعب ولهو ، ومع ذلك فحكى لي عنه جماعة ممن صحبه ، ونادمه في خلواته أنهم إذا فرغوا من حالهم قام ، وتوضأ ولبس قماشا نظيفا ، وصلّى وبكى ، ومرّغ وجهه على الأرض والتراب وبكى ، حتى بلّ لحيته بدموعه ، واستغفر وسأل اللّه التوبة والمغفرة ، حتى قال بعضهم : لقد رأيته قد قام من سجوده ، ولصق بجدار الدار كأنه أسطوانة ملصقة ، وكان إذا مرض غسل ديوانه . وكان قادرا على النظم من القريض والموشح والزجل والبلّيق والدوبيت والمواليّا والكان ، وكان لا يفوته شيء ولا يعجزه ، وهو في جميع هذه الأنواع مطبوع ، له غوص على المعاني ، ومع ذلك حكى لي شيخنا الحافظ ابن سيد الناس ، أنشدني مرة قصيدة عينية ، منها قوله : يا ربّ جفني قد هجاه هجوعه ومنها : ( الكامل ) يا ربّ بدر الدّين غاب عن الحمى * فمتى يكون على الخيام طلوعه قال : ثم إني اجتمعت بالشهاب العزازي ، وأنشدته إياها ، فقال : هذه لي ، وأنشدني إياها من أولها إلى آخرها . انتهى . قلت : ولما عمّر السلطان الملك الناصر محمّد القصر الأبلق بقلعة الجبل ، دخل إليه الشيخ صدر الدين ، وأنشده : ( البسيط ) لولاك يا خير من يمشي على قدم * خاب الرّجاء وماتت سنّة الكرم ومنها : بنيت قصرا قضى بالسّعد طالعه * فقامت لهيبته الدّنيا على قدم